|
|
|
|

|
|

|
|
|
|
|
|
إسماعيل الفاروقي مؤسس المعهد العالمي للفكر الإسلامي
|
|
|
|
|
كان إسماعيل الفاروقي وزوجته منهمكين في أعمال منزلية حين تسلل أسود أمريكي إلى شقتهما التي يعرفها جيدا، فقد كان يتظاهر بأنه صديق العائلة، وكان مؤسس المعهد العالمي للفكر الإسلامي وزوجته الأمريكية يبنيان العلاقات الإنسانية مع الجميع، ويبينان آمالاً عريضة على كل إنسان يتصل بهما، يزعم أنه قد تأثر من الأفكار التي بها ينادون.
كانت تلك الليلة كابوسا فقد روى لي الأخ الفاضل (هشام الطالب) من المعهد في أمريكا ، أن الأسود المجرم بدأ أولا بزوجة الفاروقي، وكانت ناعمة لا تحتاج إلى الكثير من الطعنات فقتلها بالسلاح الأبيض وبسرعة، ثم صعد لمواجهة إسماعيل الفاروقي، حيث طعنه 28 طعنة، قبل أن يجهز عليه، وقد حاول الفاروقي مقاومته عبثا فلم ينجو.
وأثناء هذا كانت أحد ابنتي العائلة قد اقتربت على الصراخ فطعنها ونزفت، فظن أنها ماتت فتركها، أما الثانية فقد اختبأت في الخزانة وهي ترقب المجزرة في جو رعب لا حد له..
خرج الرجل الأسود القاتل وقد أجهز على عائلةالفاروقي، وحين ألقي القبض عليه قال إن وحيا من السماء أشار عليه بالتخلص من الفاروقي، ومما ذكر لي الطالب أنه لا يستبعد صلة الموساد بكل العملية، فقد كان في أمريكا رجل قدم من إسرائيل في قبل الحادثة بقليل له صلة بالرجل الأسود، وكان رجلا يهوديا يزعم أنه له دراسات إسلامية وما شابه..
والمهم فقد خسرت الأمة الإسلامية رجلا مجددا من خيرة العقول التي أنجبتها أمة الإسلام في القرن العشرين…
وروي لي الأخ (هشام الطالب) الذي اجتمعت به في مؤتمر باريس، الذي نظمه المعهد في نهاية أبريل 2007م، وتقدمت فيه بورقة عمل، حول التحديات الثلاث التي تواجه المسلمين في الوقت الراهن، (العنف، وبناء العقل النقدي، ودخول المعاصرة من بوابة الأفكار) قال لي أن القاتل قبع في السجن بضع سنين، وحاولوا الاتصال به، ولكن حيل بينهم وبين رؤيته، وكانوا يريدون معرفة من هو خلف الجريمة الفعلي؟ ولم يكن الرجل الأسود سوى الأصبع التي نفذت العملية، ثم أغلق الملف تماما حين مات الرجل من مرض ولم يكن يشكو من شيء، وفي تقديري أن القاتل أجهز عليه حتى يحمل معه سره إلى القبر..
أقول هذا الكلام لأن الفاروقي شهيد الفكر مضى إلى الله مع زوجته في عناق أبدي وهما يؤديان دور الشهادة في العالم كما كان يقول مالك بن نبي، وكلنا في النهاية سنموت قاتلين أو مقتولين، فلنكن على مذهب سقراط حين تجرع سم الشوكران، أو مذهب ابن آدم الأول الذي لم يمد يده بالقتل ولو هدده أخوه بالقتل.. ويوم القيامة إذا هما فريقان يختصمون..
كانت حياة الفاروقي ملحمة رائعة، وحياة عائلته مأساة كاملة، وقبل أن يموت كان ابنه في الجيش الأمريكي، ثم أخبر من قيادة الجيش أن ابنه مات في تدريبات عسكرية، ولما أراد أن يرى الجثة أو يتعرف على مكان قبره لم يصل لشيء؟
وبعد مصرعه استولى الخوف على من بقي من أفراد عائلته أن تطالهم يد الموت بشكل آخر، فنأوا عن أي اتصال وفضلوا أن يعيشوا بعيدين عن المعهد وأهله وكل ماله صلة بحياة والدهم، ولجأوا إلى الظل فهو أكثر مكان أمنا.. وهي مأساة فوق المأساة، كما تروي أن أمريكا غابة من نوع مختلف وليست جنة الله كما يتصور البعض..
وبعد أحداث سبتمبر تمت مهاجمة المعهد من قبل الأمن الأمريكي؛ فحملت كل الوثائق والكمبيوترات وأطنانا من الأوراق، وتعرضوا لمضايقات شديدة، ودخلوا محنة كبيرة من نوع مختلف، ولكنهم كانوا قد احتاطوا أمرهم بثلاث: أموال كثيرة صرفوها لمحامين أكفاء، وتصفية ذمتهم من الضرائب بشكل واضح ونظيف، وبعدهم عن الشبهات والعنف، فنجوا من العاصفة.. ولم يخلصوا بعد من كثير من المضايقات..
كان أول عهدي بالمعهد العالمي للفكر الإسلامي هي رسالته حول سبيل نهضة الأمة، وروى لي (جودت سعيد) أن تلك الرسالة حين وقعت في يده لم يستطع النوم، فقال لي إن هؤلاء أمسكوا برأس الخيط، لحل مشكلة العالم الإسلامي، وإعادة بناء العقل المسلم.
وفي تقديري أن أنضج مؤسسة عقلية إسلامية في الوقت الراهن ومتحررة من نفوذ السلطات وأصحاب المال هو هذا المعهد، الذي حرر نفسه من مشكلة التمويل باختراع أساليب مالية ذاتية رابحة، تتركه في منأى عن مد يده لأحد. فالاستقلال المالي هو أبو الاستقلال الفكري.
وفي أكتوبر من عام 1993 م نظموا مؤتمرا في فيرجينيا من أمريكا حول التعددية ، وتقدمت يومها أنا بورقة عمل حول (إيجاد الآخر أم إلغاؤه) وقد تمتعت جدا بالإصغاء إلى العشرات من الأدمغة الرائعة التي استقطبها المعهد يومها…
تماما كما حدث معي في مؤتمر باريس، وأنا رجل أحضر مؤتمرات شتى فقدم مع العلم وأخرى مع السلم، وأحضر مؤتمرات طابعها إسلامي، وأخرى علاقتها مع أفكار السلام، كما حدث معي في مؤتمر محور السلام الذي عقد في بلجيكا في خريف 2006 ذلك الذي نظمه (تيري ميسان) الفرنسي مؤلف كتاب (الخديعة الكبرى)، وقد فوجئت بمحامين أمريكيين قد رفعوا قضايا على الحكومة الأمريكية، أنها خلف أحداث سبتمبر وصانعتها؟؟
وفي مؤتمر باريس في أبريل من عام 2007م كان الحضور نخبة رائعة، وكان النقاش يدور حول التجديد والإصلاح وأفكار النهوض..
وفي كل مؤتمر أشعر أن أفكار اللاعنف تلعب دورا محوريا في فهم كوكب السلام، لأن اللاعنف يعني تلقائيا ولادة العقل. وهو لم يولد بعد في العالم الإسلامي..
وحسب مصطلحات مالك بن نبي أن المجتمعات تمر بثلاث مراحل: من الوثنية إلى البطولة قبل أن تصل شاطيء التجريد الفكري.
وهي نفس المراحل التي يمر بها الطفل قبل نضجه، بمعنى تعامل العقل مع الأفكار بغض النظر عن مصدرها، وهي حالة متقدمة جدا من ولادة العقل ونضجه، ولكن الرحلة ما زالت أمامنا طويلة للإبحار إلى العالم الجديد…
وصلتني بالبريد
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|