|
لم أرَ في حياتي من يتنكر لهويته مثل بعض المحسوبين علينا، الذين لم يدركوا بعدُ ما معنى هوية! ولم يستشعروا حتى الآن أهمية وجود رابط يقوي علاقتهم بأهاليهم ومجتمعاتهم المختلفة.. ولا أظن أولئك استوعبوا بعدُ أن هناك أمورا لا يمكن المساس بها ولا لأحد حق التجرؤ عليها أو التنازل عن جزء من حقوقها.
حقيقة ما دعاني لكتابة الأسطر السابقة التي أرى فيها الكثير من التشنج صدور قرار عن وزارة التربية والتعليم يسمح للمدارس الأهلية باختيار اللغة التي ترغب أن تدرس بها، وهذا يعني أن يكون من حق جميع المدارس الأهلية أن تدرس باللغة التي تريد.. قد يقول بعض الأشخاص سنرى لغات مختلفة كالأوردو والهندية والفلبينية وغيرها تدرس لأبنائنا، وأنا أقول هنا والله إن هذا أخف وطأة على النفس مما سينتج عن ذلك القرار؛ فلو كان سيترتب عليه تنوع لخضعنا على مضض، ولكن الخطر أن من سيهيمن هو اللغة الإنجليزية فقط لغة الإمبراطورية الوحيدة في العالم، وهذا هو الاحتلال، ويعلم الله أن الاحتلال العسكري أهون وأخف على النفس من الاحتلال بتلك الطريقة؛ فاحتلال يأتي بالقوة وهناك أمة بأسرها تحاول صده أقل خطراً من احتلال يأتي نتيجة الخنوع والذل والتنازل عن كل شيء، حتى يصل الأمر إلى الهوية ويا ليت من أصدر ذلك القرار يدرك ما يعنيه قراره!!
يخرج علينا بعض المسؤولين بين وقتٍ وآخر ليتحدث في عقر دارنا في لغة غير لغتنا فنتغاضى عن ذلك على مضض، وإن كنا نردد في دواخلنا: إن لم يحفظ لنا هذا المتحدث كرامتنا في أبسط أوجهها فكيف سينافح عن بقية الحقوق؟! وهل ما يفعله بإدراك أو بدونه؟! فإن كانت الأولى فتلك مصيبة والرجل يخاصمنا علانية، وإن كانت الثانية فالمصيبة أعظم ومن كلفناه ليصون الحقوق بحاجة إلى تثقيفه وتوضيح تلك الحقوق وتعريفه بها.. وما يحز في النفس بشكل أكبر أننا نلاحق الغرب ونتابعه حتى صرنا نسابقه على جحر الضب، ولكن ما يصيب في مقتل أن تلك الملاحقة في الأمور السيئة الباطلة، أما الأمور التي فيها رقي وتقدم واعتزاز بالنفس فلسان حالنا يقول معاذ الله! وإلا فبلد كفرنسا مثلاً تعمل المستحيل للمحافظة على لغتها وتحذر من خطر الغزو الأمريكي الجائر ولا تقف عند ذلك الحد؛ بل تسعى لنشر لغتها في كل مكان ومن يخالف هذا التوجه يحاسب بغض النظر عمن يكون (حتى وصل الأمر بالرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى التصريح بأنه شعر بصدمة كبيرة لسماعه مواطنا فرنسيا يتحدث الإنجليزية في قمة للاتحاد الأوروبي مما اضطره لمغادرة القاعة، وأبلغ شيراك الصحفيين: يمكنني القول إنني صدمت بشدة لرؤية مواطن فرنسي يعبر عن نفسه بالإنجليزية على طاولة التشاور للاتحاد الأوروبي؛ لذلك فضل الوفد الفرنسي وأنا الخروج بدلا من الاستماع إلى ذلك.. وقال شيراك "إن فرنسا جاهدت لفترة طويلة لضمان أن تكون اللغة الفرنسية معتمدة ومستخدمة داخل المؤسسات متعددة الجنسيات من الاتحاد الأوروبي إلى الأمم المتحدة ودورة الألعاب الاولمبية"، وأضاف "لا يحقق ذلك مصلحة وطنية فقط بل مصلحة الثقافة وحوار الحضارات، ولا يمكن بناء العالم في المستقبل على لغة واحدة وبالتالي على ثقافة واحدة". ولم يغادر شيراك القاعة لوحده بل أيده في ذلك وزيرا الخارجية والمالية اللذان غادرا وتركا القاعة عندما تحول "ارنست انطوان سيلير" رئيس رابطة أعمال أوروبية من الحديث بالفرنسية إلى الانجليزية) (منقول بتصرف عن جريدة الوطن 25مارس 2006م) أين نحن من ذلك ولمَ لا نحتج ولا نستنكر؟!
لقد كنا نطالب بتعريب أسماء المحلات حتى لو كانت لشركات غربية، فلم يجبنا أحد! فطالبنا باحترامنا وإلزام جميع الشركات؛ خاصة الفنادق بتعيين عرب للرد على الاتصالات الهاتفية ولم يلتفت إلى مطلبنا، ثم طالبنا بتعريب العلوم في الجامعات وتدريسها باللغة العربية فقط ولكن لا حياة لمن تنادي.. ليأتي الرد على ذلك كله بطمس جديد هو الأشد على النفس وسوف ترون نتائجه!
بودي أن أنوه فقط أن احتجاجي على القرار لا يعني أني ضد تعليم اللغة الإنجليزية؛ بل على العكس فأنا أرى ضرورة تعلمها وغيرها من اللغات الحية؛ فهي مفاتيح العلوم والتعرف على الثقافات الأخرى وإطلاعهم على ثقافتنا وقد أدليت بدلوي في هذا المجال وقمت بإعداد كتابين للمساعدة في تعليم اللغة الإنجليزية.. وهذا لا يتناقض على الإطلاق مع مطالبتي باحترام لغتنا الأم لغة القرآن واستخدامها في جميع المجالات والأمكنة والأزمنة، ووالله الذي لا إله غيره الذي أعز هذه اللغة إني لا أجد حرجاً ولن أحنث لو أقسمت أنها المؤشر على رقينا أو سقوطنا وتقهقرنا للوراء!!
ربما هناك من يقول إن المسألة ليست إلزامية، ومن أراد أن يدرس أبناءه بغير العربية فليفعل.. وأنا هنا أقول إن اللغة صنو الدين فلا تنازل في أي منهما والأنظمة التي كفلت للمقيمين من غير أبناء هذه البلاد حق التعلم باللغة التي يريدون ومنعت المواطنين من التعلم بغير اللغة الأم، يجب أن تبقى؛ فهي الحل المنصف والخيار الوسط.. أما إن تركنا الحبل على الغارب فإن ذلك يدل على أن لدينا من لم يدرك بعد قيمة هويته!!
|
الكاتب: فهد بن عبد العزيز الغفيلي |
|